المنتدي الرئيسي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عانقت جدران منتدانا
عطر قدومك ..... وتزينت

لوعلمت الدار بمن زارها فرحت
واستبشرت ثم باست موضع القدمين

اسمح لي بأن أحييك .. وأرحب بك
فكم يسرنا انضمامك لعائلتنا المتواضعة
التي لطالما ضمها منتدانا الغالي على قلوبنا

علماء وأئمة دلجا


ديني - ثقافي - علمي
 
الرئيسيةاليوميةبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
سيتم قريبا إن شاء الله إضافة محاضرات الدار العلمية بالصوت والصورة والدروس المفرغة إن شاء الله

شاطر | 
 

 الحلقة الثانية من شرح الدكتور سفر الحوالي للعقيدة الطحاوية(1)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبو أسامة أحمد كحيل
مدير
مدير
avatar

عدد المساهمات : 68
تاريخ التسجيل : 17/04/2011
العمر : 37
الموقع : emam.3oloum.com

مُساهمةموضوع: الحلقة الثانية من شرح الدكتور سفر الحوالي للعقيدة الطحاوية(1)   الجمعة نوفمبر 11, 2011 4:50 pm

العناصر:
1 - تاريخ البشرية في معرفة الله
= ماذا يجب على الإنسان معرفته من العقيدة
= متى يعذر الإنسان بالجهل
= أسباب الضلال والحيرة
= أنواع النظر والاستدلال
= تنزيه الله تعالى لنفسه
= أهمية البصيرة في الدعوة إلى الله



1 - تاريخ البشرية في معرفة الله

أخبرنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في الكتاب والسنة، أنه خلق آدم عَلَيْهِ السَّلام نبياً من الأنبياء، وأن ذريته بقيت عَلَى التوحيد، حتى اختلفوا كما قال ابن عباس رضي الله عنه: {إنه كَانَ بين آدم ونوح عشرة قرون} ، ثُمَّ وقع الشرك في قوم نوح كما جَاءَ في الحديث الصحيح، ولم يكن هناك أعراف ولا كهان ولا سحرة؛ بل بعث الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى النبيين مبشرين ومنذرين ليقاوموا تلك الأعراف وأولئك الكهان. فصار الناس فريقين:
المؤمنون الموحدون.
والكفار المُشْرِكُونَ.
وهذه الحضارات الموجودة آثارها إِلَى اليوم، كحضارة الفراعنة، والروم، وقوم هود، وقوم صالح؛ وكلها كَانَ هلاكها ودمارها بسبب تكذيبها بما جَاءَ به الأنبياء، والوحي الذي جَاءَ من عند الله سبحانه تعالى.
وليست العملية تطور علمي: وهو أن البشرية تطورت حتى وصلت إِلَى قمة العلم ثُمَّ الدين، ثُمَّ لما عرفت التوحيد جاءتها الكتب الثلاثة المنزلة كما يقولون.
ومن ذلك نظرية القانون يقولون: إن الإِنسَان بدأ يحتكم إِلَى الأعراف، وكان العُرف هو الذي يحكم الناس، ثُمَّ وجدت ما يسمونها نظرية العقد الاجتماعي ومعناه: أن أفراد المجتمع تعاقدوا فيما بينهم عقداً عرفياً بأنه لا تظالم، وأنه يتم بينهم أخذ وعطاء "ولا تؤذيني ولا أؤذيك"؛ ثُمَّ بعد ذلك جَاءَ الأَنْبِيَاء وجاءت الكتب.
وهذا من الكذب والافتراء عَلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فإن هذه النظريات إنما عرفتها البشرية في فترات الانحراف -أزمان الفترة- التي لا يبعث فيها نبي، بل ينحرف الناس عن شريعة الأنبياء، ويتخذون الأحبار والرهبان والملوك والكهان يشرعون لهم من دون الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عندما يبعث أي نبي إنما يبعثه بشرع ليتحاكم الناس إليه، وليحكموا به، والحاكم هو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
والحياة؛ إنما هي في القرآن، أحيا الله به العالمين وأخرجهم من الظلمات إِلَى النور ورحمهم به، وشفى ما كَانَ يعتلج ويختلج في صدورهم من الأوهام والظنون والنظريات الباطلة.
وهنا قد يرد سؤال حيث يقول الله تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ [فصلت:44] فكيف يكون هدى وشفاءً للذين آمنوا فقط؟ أليس القُرْآن هدىً للعالمين جميعاً؟
نقول: بلى، إن القُرْآن هدىً للناس جميعاً، لكن المنتفع بهداية القُرْآن هم المؤمنون الذين يؤمنون به، أما الَّذِينَ كَفَرُوا فهو عليهم عمى.
وقال تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة:26] فمع أنه نور، لكنه قد يكون سبباً للضلال.
فإنه إذا رأى الرائي النور أمامه فأعرض عنه فضلاله أعظم من ضلال من جَاءَ في الظلام ولم ير النور من أصله.
فالذي يرى النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويسمع كلام الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ثُمَّ يعرض عنه لا شك أنه لم يخالط قلبه هذا الدواء الذي أنزله الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فكان ذلك سبباً لزيادة مرضه وضلاله وهلاكه.
فالدواء دواء، والنور نور، والهدى هدى، والشفاء شفاء، ومن هنا كَانَ للذين آمنوا هدى وشفاء لأنهم يؤمنون به ويطمعون ويسعون للتداوي به والاقتداء والاستضاءة بنوره.
ماذا يجب على الإنسان معرفته من العقيدة


قَالَ المُصنِّفُُ رحمه الله تعالى:
[والله تَعَالَى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، فلا هدى إلا فيما جَاءَ به، ولا ريب أنه يجب عَلَى كل أحدٍ أن يؤمنَ بما جَاءَ به الرَّسُول إيماناً عاماً مُجملاً، ولا ريب أن معرفة ماجاء به الرَّسُول عَلَى التفصيل فرض عَلَى الكفاية، فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله، وداخل في تدبر القُرْآن وعقله وفهمه، وعلم الكتاب والحكمة، وحفظ الذكر، والدعاء إِلَى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاء إِلَى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما أوجبه الله عَلَى المؤمنين، فهو واجب عَلَى الكفاية منهم. وأما ما يجب عَلَى أعيانهم: فهذا يتنوع بتنوع قدرهم، وحاجتهم ومعرفتهم، وما أمر به أعيانهم، ولا يجب عَلَى العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما يجب عَلَى القادر عَلَى ذلك. ويجب عَلَى من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل مالا يجب عَلَى من لم يسمعها ويجب عَلَى المفتي والمحدث والحاكم مالا يجب عَلَى من ليس كذلك] اهـ
الشرح:
يقول المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا عرفنا أن القرآن، وأن الوحي عامة هو النور، وهو الهدى والشفاء، وهو الذي منه تعرف هذه الأصول الثلاثة، حيث تعرف الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، ومن أسمائه ومن صفاته، ومن حق العبودية علينا.
إذا كَانَ ذلك كذلك فما مقدار معرفة كل إنسان بهذا القرآن؛ وكأنه بذلك يحتاط ويحترز عن قول بعض الناس: إنه يجب عَلَى كل إنسان أن يعرف العقيدة كاملةً تفصيلاً، وإلا لم يكن مؤمناً.
وهذا القول قاله بعض المتكلمين والخوارج ، وكثير من الزائغين المنحرفين عن منهج أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ .
أما أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فقولهم هو ما يوافق الكتاب والسنة وهو: أن الإيمان عَلَى نوعين:
إيمان مجمل.
وإيمان مفصل.
فأما الإيمان المجمل: فهذا الذي في إمكان كل إنسان أن يعرفه ويتعلمه مثل: معرفة أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى واحد لا شريك له، وأنه أرسل أنبيائه بالهدى، وأن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو رَسُول الله المطاع المقتدى به وحده، وأن الصلاة والزكاة وأشباهها من الأمور الظاهرة المعروفة بالضرورة أنها فرائض، فرضها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى العباد، فهذا يسمى الإيمان المجمل، وهو الذي ذكره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث جبريل حين قَالَ: {أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره من الله تَعَالَى} وهذا الإيمان المجمل يجب أن يعلَّم للعوام حتى يعرفوه ويفهموه، وتقوم الحجة عليهم، وإلا فيأثُمَّ من لم يعلمهم.
وأما الإيمان المفصل: فإن معرفته فرض كفاية، مثل: معرفة الأسماء والصفات بالتفصيل، وأدلة كل منها، ومعرفة الأحكام الشرعية تفصيلاً؛ لأن الإيمان شعب، وكل عبادة وطاعة من فرض أو نفل فهي شعبة من شعب الإيمان.
وأما الخوارج فَقَالُوا: يجب معرفة الإيمان تفصيلاً، لأنه شيء واحد فقط، وهو ما يقوم في القلب.
والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أمرنا أن نتعلم وحثنا عَلَى العلم، لكن العلم التفصيلي لا يجب عَلَى كل إنسان أن يتعلمه، وهو داخل في قوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].
لكنه في حق الأمة كافة فرض كفاية، يجب أن يوجد في الأمة العلماء والمفتون والحكام الذين يحكمون بما أنزل الله، ويفتون النَّاس بما أنزل الله، ويعلمونهم شرع الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وما جَاءَ به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التفصيل.
وأما المعرفة العينية فهو متنوع بحسب قُدَرِهِمْ، فكل إنسان بحسب قدرته.
متى يعذر الإنسان بالجهل


وهنا قضية مهمة ينبغي أن نتفطن إليها وهي: هل الإِنسَان معذور بالجهل أو غير معذور به؟
الذي يعرف هذه الحقيقة التي سبق أن ذكرناها الآن، وذكرها الشارح رَحِمَهُ اللَّهُ لا يخفى عليه الجواب، بل يعرف أن مثل هذا السؤال لا يجاب عنه بإطلاق؛ لأننا نفصل فنقول:
أما الإيمان المجمل: فيجب عَلَى كل إنسان أن يعرفه، وهناك ما لا يعذر بجهله أحد من الْمُسْلِمِينَ، فإن كَانَ بإمكانه أن يعلم وجوب الصلاة وفرضية الصلاة وأعرض عنه ولم يبال به، فإنه لا يعذر بجهله هذا في الأصول، أما في الفروع فإنه يُعاقب؛ لأنه فرط ولم يتعلم ما يجب عليه من شعب الإيمان، فعلى حسب قدرته وطاقته يعاقب مادام بإمكانه أن يتعلم، أما من ليس بإمكانه أن يتعلم فلا يُكلف الله نفساً إلا وسعها.
وقد يجهل الإِنسَان بعض الأمور لاعتباراتٍ كثيرة؛ بل قد يجهل الإِنسَان بعض صفات الله عَزَّ وَجَلَّ الأساسية التي لا يليق بأحد أن يجهلها.
ومن ذلك: الرجل الذي من بني إسرائيل فقد ثبت في الصحيح بروايات صحيحة كثيرة أنه قال لأهله عندما حضره الموت: {إذا أنا مت فاحرقوني، ثُمَّ اطحنوني، ثُمَّ ذروني في البحر وفي البر، والله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين} فإن هذا الرجل لإيمانه وخوفه من الله عَزَّ وَجَلَّ، ولشدة اعترافه وإقراره بتفريطه لحق الله عَزَّ وَجَلَّ أوصى أهله أن يفعلوا به هذا الفعل، فجهل أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى كل شيء قدير، وأنه يحي الموتى، {فجمعه الله وأعاده خلقاً سوياً كما كان} وهو قادر تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى كل شيء، ثُمَّ قال له: {ما حملك عَلَى ما فعلت؟ قَالَ: خوفك يا رب!!}
فلم يفعل ذلك جرأة عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ أو شكاً في إيمانه أو قدرته، لكن خوف الله عَزَّ وَجَلَّ هو الذي حمله أن يظن أنه سيتخلص من هذا الهول العظيم إذا أحرق وطحن ووزع في البر والبحر.
فالإِنسَان قد يجهل مثل هذه الأشياء، ولو علم لتفطن أن الله عَلَى كل شيء قدير.
فالشاهد أن قضية العذر بالجهل أو عدم العذر به قضية نسبية متفاوتة، وكل إنسان يحاسبه ربه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بمقدار ما بلغه من العلم وما يمكن أن يتعلمه.
فالمصنف رَحِمَهُ اللَّهُ بهذا الكلام الموجز يرد بذلك عَلَى هَؤُلاءِ المنحرفين من الخوارج أو من المتكلمين في هذه القضية المهمة، فالواجب أن يعلم الجاهل، وأن يدعى الغافل ويذكر، هذا هو واجبنا، وعلى كل من عرف شيئاً من الحق أن يبذله، وأن يعلم النَّاس العقيدة الصحيحة، ولا يكثر الخوض والجدل في العذر بالجهل أو عدم العذر به.
فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سوف يحاسبهم كلاً منهم بما بلغه من العلم، ونحن سيحاسبنا هل بلّغْنَا دعوة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم لا؟
ولذلك يذكر المُصنِّف رحمه الله تعالى هنا موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاء إِلَى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ضمن الفروض الكفائية التي يجب أن يقوم بها القادر عليها، وبذلك ينتشر العلم في الأمة ولا يفشو فيها الجهل، وبذلك تقوم الحجة.
أسباب الضلال والحيرة


قَالَ المُصنِّفُ رحمه الله تعالى:
[وينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق، فإنما هو لتفريطه في اتباع ماجاء به الرسول، وترك النظر والاستدلال الموصل إِلَى معرفته فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا، كما قال تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه: 123-125].
قال ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: {تكفل الله لمن قرأ القُرْآن وعمل بما فيه، أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، ثُمَّ قرأ هذه الآيات}.
وكما في الحديث الذي رواه التِّرْمِذِيّ وغيره عن عَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قال رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ألا إنها ستكون فتن، قلت: فما المخرج منها يا رَسُول الله؟
قَالَ: كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه، ولا تشبع منه العلماء، ومن قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إِلَى صراط مستقيم} إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث، الدالة عَلَى مثل هذا المعنى] اهـ.

الشرح:
لعل المُصنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ هنا يجيب عَلَى تساؤل قد يقال وهو: إن الوحي من الكتاب والسنة مع أن فيه الحق والنور والهدى، ولكن نجد أقواماً كثيرين حتى من المنتسبين إِلَى الإسلام قد ضلوا وتخبطوا وتاهوا!
فمنهم من عبر عن حيرته كما قال أحدهم:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم
وكما قال الآخر وهو الرازي :
نهاية إقدام العقول عقـــال وغاية سعي العالمين ضــلال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
فعبروا عن حيرتهم وضياعهم مع أن الكتاب والسنة بين أيديهم، وهذا الهدى بين أيديهم؛ لكنهم خاضوا في علم الكلام والعقائد، لمعرفة الله ومعرفة اليوم الآخر ومعرفة صفات الله سبحانه، فتاهوا وحاروا وضلوا، فإذا قيل: كيف يضيع هَؤُلاءِ ويضلون ويتخبطون مع أن الكتاب والسنة بين أيديهم؟
فيجيب المُصنِّف رحمه الله تعالى عَلَى ذلك ويقول:
[إن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز عن معرفته، فإنما بسبب تفريطه في اتباع ما جَاءَ به الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وترك النظر والاستدلال الموصل إِلَى معرفته].
فلم يأخذ الحق من مصدره الصحيح، وإن كَانَ مؤمناً، وإن كَانَ القُرْآن بين يديه، لكنه فرط في اتباع هذا القُرْآن والاقتداء بهديه، فحينئذ عوقب بالضلال والحيرة والعياذ بالله.
أنواع النظر والاستدلال


النظر والاستدلال هو بمعنى المعرفة العقلية، وإذا جاءت كلمة النظر في هذا الشرح فمعناها: المعرفة العقلية، أو الاجتهاد العقلي، أو الاستدلال العقلي.
والنظر نوعان:
النوع الأول: نظر عقلي محض وهو النظر الكلامي: وهو اتباع القواعد المنطقية والفلسفية في التفكير، فهذا النظر لا يأتي إلا بالضلال، ولا يثمر لصاحبه أي علم أو هدى.
وهذا الذي سلكه هَؤُلاءِ المعبرون عن حيرتهم وضياعهم وضلالهم.
النوع الثاني: نظر شرعي وهو: النظر لفهم نصوص الكتاب والسنة بالتدبر والتأمل والتفكر لفهم كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ، كما أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وهذا الاستدلال هو الذي يوصل إِلَى اليقين، فطريق اليقين هو: النظر أو الاستدلال الشرعي، لا الاستدلال والنظر الكلامي المنطقي،ومن ذلك أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ضرب لنا الأمثلة الكثيرة عَلَى أعظم القضايا وهي قضايا الإيمان، فقضية الإيمان بالله سبحانه مثلاً ضرب الله عليها الأمثلة لإثبات وحدانيته سبحانه، وأنه حق، وعلى أن القُرْآن حق، وأن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حق.
يقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:53] فهناك آيات في الكون، وآيات في النفس، فعلماء الفلك والطب مثلاً يعرفون هذه الأمور، والبدوي العامي الجاهل ينظر إِلَى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت، وبإمكانه أن ينظر إِلَى البعير الذي يركبه كيف خلق، فيصل به نظره وتدبره إِلَى اليقين والاعتقاد الجازم الصادق الذي لا يدخله ريب أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: 8-10] كل إنسان ينظر كيف خلقه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فيصل عن طريق هذا النظر إِلَى أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حق.
وكذلك الإيمان باليوم الآخر، وهو أكثر القضايا الغيبية إنكاراً عند الْمُشْرِكِينَ، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أقسم عَلَى الإيمان باليوم الآخر، لأنه يقابل بالإنكار وبالجحود من كثير من الْمُشْرِكِينَ، فأقسم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى أن البعث حق في ثلاثة مواضع من كتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وبين الحكمة العظيمة في ذلك، بحيث لو تأملها الإِنسَان لفطن وتدبر أن الإيمان بالموت حق.
فضرب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في سور كثيرة وآيات عديدة الأمثال بإحياء الأرض الميتة، فإذا جَاءَ المطر، أتت الزهور الخضراء والحمراء، والنباتات الطويلة، والنباتات الممتدة، ولها روائح مختلفة، ولها نسبة من السكر، هذا أكثر، وهذا أقل، وهذا مر، وهذا فيه دواء، وهذا فيه غذاء للناس، وهذا فيه غذاء للدواب.
فهو سبحانه ضرب المثل بأنه قادر عَلَى إحياء الموتى بإحياء الأرض الميتة، قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وإِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى [فصلت:38] فيضرب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لنا هذه الأمثلة لنستيقن، ونعلم أنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حق، وأن الإيمان بالآخرة يقين لا يتزعزع لذلك يقول سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * ليُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ [النحل:38-39].
هنا آيات أخرى تدل عَلَى أن البعث حق؛ وهي: العبرة النظرية، حيث يتفكر الإِنسَان إذا قال المُشْرِكُونَ: "والله لا يبعث الله من يموت" وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [النحل:39] ليبين الحكمة قال تعالى: لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ هذه واحدة.
والأخرى وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ لو تأمل الإِنسَان هاتين الحكمتين لاستيقن أنه لا بد من اليوم الآخر.
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهَِ فكم يختلف البشر في قضايا علمية وفي دعاوى وحقوق، بل اختلف النَّاس في أمور أعظم من ذلك وهو ربهم عَزَّ وَجَلَّ، فمنهم من يعبد الأحجار ويقول: هذا ربي، ومنهم من يعبد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حق العبادة، ومنهم من يعبد ثلاثة، ومنهم من يعبد عشرة.
وهذه الاختلافات الواقعة بين النَّاس ووجود الظالم والمظلوم، والباغي الباطش المتكبر الجبار المحارب لله عَزَّ وَجَلَّ الذي يعيش عمراً طويلاً في عافية وقوة، يظلم عباد الله عَزَّ وَجَلَّ، ويتسلط عَلَى دمائهم وأموالهم، ويفعل ما يشاء ثُمَّ يأتيه الموت، ويوجد من عباد الله الصادقين المخلصين المقربين لله عَزَّ وَجَلَّ الذين يبتلون بأنواع من الآلام والفتن، ثُمَّ يموت.
تنزيه الله تعالى لنفسه


قَالَ المُصنِّفُ رحمه الله تعالى:
[ولا يقبل الله من الأولين والآخرين ديناً يدينون به؛ إلا أن يكون موافقاً لدينه الذي شرعه عَلَى ألسنة رسله عليهم السلام وقد نزه الله تَعَالَى نفسه عما يصفه العباد، إلا ما وصفه به المرسلون بقوله سبحانه:سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: 180-182] فنزه نفسه سبحانه عما يصفه به الكافرون، ثُمَّ سلم عَلَى المرسلين، لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب، ثُمَّ حمد نفسه عَلَى تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد] إهـ.
الشرح:
قال تعالى: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ من قولهم: إن الملائكة إناث، وإنهم بنات الله، وجعلوا بينه وبينهم نسباً فَقَالَ تَعَالَى بعد ذلك: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ تَعَالَى الله وتبارك وتقدس وتنزه عما يصفون.
إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ يعني: إلا الوصف الذي يصفه به عباده المخلصون، فما يطلقه عليه غيره من الأوصاف، فإنه ينزه عنه، إلا العباد الذين ذكرهم في هذه السورة وفي غيرها -وهم: نوح وموسى وإبراهيم- وأنبياء الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الذين يصفون الله بأوصاف الحق.
أما هَؤُلاءِ الذين يجعلون الملائكة بنات الله والعياذ بالله، ثُمَّ يقولون: إنهم يؤمنون بالله، فقد رد الله عليهم في سور كثيرة فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في سورة النحل: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل:57-60].
فهَؤُلاءِ ينسبون لله ما يترفعون عنه، أما عباد الله المخلصون فإنهم يصفونه بما هو أهل له، فغير الأَنْبِيَاء والمرسلين ومن سلك طريقهم هم ضالون مخطئون فيما يصفون به رَبّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. ولو تأملنا الأمم والطوائف والفرق لوجدنا أن هذه الآية ترد عَلَى جميع الملل والفرق التي شذت وانحرفت فيما يتعلق بصفات الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى،فـاليهود قالوا: يد الله مغلولة! وقالوا في توراتهم المحرفة: إن الله صارع يعقوب إِلَى الفجر والعياذ بالله! وَقَالُوا: إن عزيراً ابن الله -تعالى الله عن ذلك-.
وعن قول النَّصَارَى: إن المسيح ابن الله، وإنه ثالث ثلاثة، وتعالى الله عن قول مشركي العرب: إن الملائكة بنات الله.
وتعالى الله عن قول أمم التتار والمغول واليابانيين وأمثالهم: إن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى تزوج الشمس، وولد من الشمس هَؤُلاءِ الملوك والأباطرة الذين يتناسلون، وهم يعبدونهم من أجل ذلك.
وتعالى الله عن قول الشيوعيين: إنه لا إله، ولا وجود له تعالى، أو إنه أسير، أو هواء، كما يقول أصحاب النظرية الأثيرية وما أشبهها. وتعالى الله أن يكون العقل الكلي -كما يقول أفلاطون وأرسطو- :خلق عشرة عقول تدير الكون وبقي لا يعمل شيئاً.
وتعالى الله أن يكون كما قالت الرافضة : إنه فوض أمر السماوات والأرض إِلَى الأئمة الإثني عشر يعملون ما يشاءون ويديرون الكون، فشابهوا قول اليهود أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثُمَّ استراح في اليوم السابع وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب [ق:38] وتعالى الله عما يقوله المعتزلة : من أنه عليم بلا علم، وقدير بلا قدرة، وعزيز بلا عزة، إِلَى آخر ما يقولون ويفترون، وتعالى الله عما يقول الحلوليون: من أنه يحل في كل مكان، حتى في الأماكن القذرة والنجسة، والعياذ بالله.
وتعالى الله عما يقول الأشاعرة وغيرهم: من أنه ليس فوق السماوات ولا مستوياً عَلَى عرشه.
وهكذا نجد أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في هذه الآية عندما قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات:159-160] نزه نفسه عن جميع الأوصاف التي يصفه بها جميع الأمم الضالة وجميع الفرق الضالة (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) ، وهم الأَنْبِيَاء والرسل، وهم مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصحبه، وهم أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، والذين اتبعوهم بإحسان، وهم الذين يصفون الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالمحامد، وبالأسماء الحسنى وبالصفات العلا، ويثبتون له ما أثبته لنفسه.
فهذه الطائفة -الفرقة الناجية المنصورة - وحدها هي المستثناة؛ لأنها تعلم أن له المثل الأعلى في السماوات والأرض، وأنه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].
يقول المُصنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ: [فنزه نفسه سبحانه عما يصفه به الكافرون، ثُمَّ سلم عَلَى المرسلين، لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب].
فقوله: [من النقائص والعيوب] "من": ترجع إِلَى كلمة سلامة، لا إِلَى كلمة وصفوه، أي: لسلامة ما قالوه في حق الله من النقائص والعيوب، أي أن كلامهم في حق الله سليم من النقائص ومن العيوب، وليس معناها: لِمَا وصفوه من النقائص والعيوب.
ثُمَّ حمد نفسه عَلَى تفرده بالأوصافِ التي يستحق بها كمال الحمد سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فقَالَ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:182] فختم السورة، وختم هذه المعاني بقوله: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الصافات:182] فهو المستحق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لكمال الحمد وكمال الشكر المتفرد به، وكلمة الحمد: تشمل جميع أنواع المحامد؛ لأن "ال" هنا للاستغراق، أي: جميع أنواع الحمد والثناء اللائق بجلال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فهو يستحقه تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
أهمية البصيرة في الدعوة إلى الله


قَالَ المُصنِّفُ رحمه الله تعالى:
[ومضى عَلَى ما كَانَ عليه الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير القرون، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان، يوصي به الأول الآخر ويقتدي فيه اللاحق بالسابق، وهم في ذلك كله بنبيهم مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقتدون، وعلى منهاجه سالكون، كما قال تَعَالَى في كتابه العزيز: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف: 108]، فإن كَانَ قوله أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي معطوفاً عَلَى الضمير في "أدعو" فهو دليل عَلَى أن أتباعه هم الدعاة إِلَى الله وإن كَانَ معطوفاً عَلَى الضمير المنفصل فهو صريح أن أتباعه هم أهل البصيرة فيما جَاءَ به دون غيرهم، وكلا المعنيين حق] إهـ.
الشرح:
يقول المُصنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ: مضى عَلَى الاعتقاد الصحيح -في حق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأصحابه خير القرون، كما قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] ويذكر المُصنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ في هذه الآية معنيين، بحسب الوقوف.
فإذا قلنا: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ فوقفنا ثُمَّ قلنا عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي فهذا له معنى، أي: أنا ومن اتبعني عَلَى بصيرة، وغيرنا ليس لديه بصيرة، فالمعنى أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر أن يقول: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ، ثُمَّ يخبر فَيَقُولُ: عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي أي نَحْنُ الوحيدون الذين عَلَى بصيرة، لأن منهجنا هو الحق،وأما غيرنا فهو عَلَى ضلال.
وإذا قلنا: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي دون وقوف فهذا له معنى آخر، أي: أنا ومن اتبعني ندعو إِلَى الله عَلَى بصيرة لا عَلَى جهل. وكلا المعنيين لهما مدلول واضح وجيد.
وإن كَانَ المعنى الثاني هو الأظهر، وهو المتبادر؛ لأن معناه: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي أي: إنني وأتباعي المؤمنون بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ندعو إِلَى الله عَلَى بصيرة، وغيرنا يدعو إِلَى الله؛ لكنه لا يدعو إِلَى الله عَلَى بصيرة، فإن أحبار اليهود ورهبان النَّصَارَى يدعون إِلَى الله -كما يظنون-، لكنهم لا يدعون إِلَى الله تَعَالَى عَلَى بصيرة، وإنما يدعون إِلَى الضلال والشرك بالله. وكم تبذل الكنيسة من الأموال ومن الجهود من أجل الدعوة إِلَى دينهم، عَلَى غير بصيرة.

منقـــــــــــــــــــــــــول
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الحلقة الثانية من شرح الدكتور سفر الحوالي للعقيدة الطحاوية(1)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدي الرئيسي :: العقيدة الإسلامية-
انتقل الى: